الانتصار الكبير في الزمن الصعب – 3

الانتصار الكبير في الزمن الصعب !! (3)

الحمد لله وكفى ، والصلاة والسلام على نبيه المصطفى.. أما بعد :

استكمالاً لما سبق أقول :

 رغم الجهود الكبيرة التي بذلتها الدول المتصدية لحالة الفوضى والاضطراب في العالم العربي بقيادة المملكة ، ورغم تحقيق النجاح الذي تحقق باستنقاذ دولة مصر الشقيقة من دوّامة العنف والانفلات الأمني ، وكذلك دولة البحرين الشقيقة ، إلا أن الأخطار مازالت كبيرة في حينها! ، والصراعات قائمة في كل من سوريا وليبيا ، وكذلك الوضع في اليمن لم يستقر رغم المبادرة الخليجية..

 فأما في سوريا فقد بدأت الاحتجاجات فيها في شهر ربيع الآخر 1432ه ، منتصف شهر مارس 2011م ، بسبب استياء شعبي من الحكومة التي قامت بسجن مجموعة من الأطفال في مدينة درعا ، ورفضت طلب الأهالي إطلاق سراح أبنائهم ! ، مما أدى إلى خروج الأهالي بمظاهرة احتجاجية قوبلت بإطلاق نار بشكل مباشر على المتظاهرين! ، فنتج عن ذلك سقوط قتلى وجرحى بأعداد أخذت تتزايد يوماً بعد يوم ! ،  مما جعل الاستياء الشعبي يزداد ويتوسع! ، فعمت المظاهرات جميع المدن السورية! ، وأصبحت تطالب برحيل النظام!.

 والسر الأكبر في استمرار المظاهرات وتصاعدها هو علاقة القيادة السورية بطهران ، فقد كانت مرتبطة معها بعلاقة التابع للمتبوع!! ، وقد علم القاصي والداني بأن إيران الصفوية هي دولة القمع والإرهاب والاستبداد الذي لا نظير له! ، ولهذا تعاملت الحكومة السورية بسبب الدعم والتوجيه الإيراني مع مشكلة الاحتجاجات بقمع لا نظير له! رغم أن سبب الاحتجاجات كان أمراً يمكن علاجه ، وهو إطلاق سراح الأطفال الذين اعتقلتهم السلطات! ، وحلحلت المشكلة قبل أن تتفاقم وتخرج عن إمكانية الحل الداخلي ! ، فقد كان مطلب الأهالي في بداية الأمر هو الإفراج عن أطفالهم فقط !.

 وقد سعى خادم الحرمين الشريفين الملك عبد الله رحمه الله تعالى لاحتواء الأزمة في سوريا! ، وطلب من الحكومة السورية في بداية الأحداث معالجة المشكلة بما يحفظ أمن الوطن وسلامة أبنائه ، واحترام كرامتهم وإنسانيتهم… ولما لم تستجب القيادة السورية! ، ورأى الظلم والاستبداد وإهانة كرامة الغالبية الكبرى من أبناء الشعب السوري كان هو أول زعيم عربي يصارح بشار الأسد وحكومته بالأخطاء التي ارتكبوها بسبب طريقة التعامل مع المظاهرات!.

 فبعد مضي خمسة أشهر من المظاهرات والاحتجاجات والاقتتال الداخلي الذي كانت القيادة السورية هي السبب الرئيس فيما وصل إليه الحال! ، بسبب إصرارها على استخدام آلة القتل ، وأساليب البطش والقمع وإهانة كرامة الشعب السوري الشقيق ، عند ذلك وجه خادم الحرمين الشريفين رحمه الله تعالى كلمة للقيادة والشعب السوري الشقيق في شهر رمضان المبارك 1432ه الموافق 8/8/2011م جاء فيها :

 ” بسم الله الرحمن الرحيم ، والصلاة والسلام على رسوله الكريم وعلى آله وصحبه أجمعين.. إلى أشقائنا في سوريا ، سوريا العروبة والإسلام ، السلام عليكم ورحمة الله وبركاته ، إن تداعيات الأحداث التي تمر بها الشقيقة سوريا ، والتي نتج عنها تساقط أعداد كبيرة من الشهداء الذين أريقت دماؤهم ، وأعداد أخرى من الجرحى والمصابين ، ويعلم الجميع أن كل عاقل عربي ومسلم أو غيرهم ، يدرك أن ذلك ليس من الدين ولا من القيم والأخلاق ، فإراقة دماء الأبرياء لأي أسباب ومبررات كانت لن تجد لها مدخلاً مطمئناً يستطيع فيه العرب والمسلمون والعالم أجمع أن يروا من خلالها بارقة أمل ، إلا بتفعيل الحكمة لدى القيادة السورية ، وتصديها لدورها التاريخي في مفترق طرق الله أعلم أين تؤدي إليه!.

    إن ما يحدث في سوريا لا تقبل به المملكة العربية السعودية ، فالحدث أكبر من أن تبرره الأسباب! ، بل يمكن للقيادة السورية تفعيل إصلاحات شاملة سريعة ، فمستقبل سوريا بين خيارين لا ثالث لهما ، إما أن تختار بإرادتها الحكمة ، أو أن تنجرف إلى أعماق الفوضى والضياع لا سمح الله.. وتعلم سوريا الشقيقة شعباً وحكومة مواقف المملكة العربية السعودية معها في الماضي ، واليوم تقف المملكة العربية السعودية تجاه مسؤوليتها التاريخية نحو أشقائها ، مطالبة بإيقاف آلة القتل وإراقة الدماء ، وتحكيم العقل قبل فوات الأوان ، وطرح وتفعيل إصلاحات لا تغلفها الوعود ، بل يحققها الواقع ؛ ليستشعرها إخوتنا المواطنون في سوريا في حياتهم كرامةً وعزةً وكبرياء “. ثم وجه رحمه الله تعالى باستدعاء السفير في دمشق للتشاور.

 ولم يكن موقف الملك عبدالله رحمه الله تعالى موقفاً انتهازياً أو عدائياً ضد الحكومة السورية ، بل كان موقف القائد المسلم الذي لا يريد أن يرى إراقة الدماء ! ، وانتهاك الأعراض! ، وتدمير الممتلكات في أي بلد عربي أو مسلم ؛ بل في أي بلد في العالم ، فالظلم وسفك الدماء لا يقره المسلم في أي مكان! ، وعلى أي إنسان من البشر كائناً من كان .

ولقد كان رحمه الله تعالى صريحاً واضحاً في قوله : ” إن الحدث أكبر من أن تبرره الأسباب.” ، ومطالبته بإيقاف آلة القتل! ، ” وتفعيل إصلاحات لا تغلفها الوعود! ، بل يحققها الواقع ، ليستشعرها المواطن في حياته : كرامة وعزة وكبرياء “.

 ورغم النداء الصادق الذي توجه به خادم الشريفين وما وعد به الشعب والقيادة السورية من الدعم الذي يحقق للدولة السورية الأمن والاستقرار مع إصلاحات تبني الوطن ، وتحفظ كرامة أبنائه ، وتحافظ على سيادته واستقلاله عن التبعية لأي جهة كانت! ؛ إلا أن النظام السوري غامر بسيادة وطنه! واستقلال قراره الوطني ! ، وقَبِلَ أن يكون تابعاً لملالي طهران ومليشياتها! ، مستسلماً لأوامر بوتين! وتوجيهات الكرملن الروسي! ، متنازلاً عن مرتفعات الجولان السوري! ، خانعاً أمام الاستفزازات الإسرائيلية وضربات قواتها الجوية على كامل الأرض السورية!! ، وها هي سوريا الشقيقة منذ أكثر من عقد من الزمن تعيش الضياع الذي حذر منه خادم الحرمين الشريفين الملك عبدالله! وأخبر بوقوعه لا محالة ما لم تتحمل القيادة السورية مسؤوليتها التاريخية تجاه الأحداث في حينها!!.

 فبدل الأمن والاستقرار والسيادة الوطنية ، والسلم المجتمعي ، اختار النظام السوري بقيادة بشار أن ينحاز إلى معسكر ملالي طهران التي لا تقدم لأتباعها إلا المليشيات التي تعيث في الأرض فساداً ! ، فهي لا تعيش إلا على القتل والتدمير والاغتيالات! ، والطائفية المقيتة!! ، ونهب ثروات الشعوب وإذلال أبنائها الشرفاء!! ؛ فكانت نتيجة التصرف الأحمق لنظام بشار هي : قتل مئات الألوف من الشعب السوري! ، وتشريد وتهجير الملايين! ، وتفتيت اللحمة الوطنية! ،! ، والتفريط في كل مقدرات الوطن !، وتدمير كل مقومات الحياة الكريمة في سوريا الشقيقة!.

إن أي قيادة أو حكومة لا تحمل همَّ المحافظة على كرامة شعبها! ، والحرص على لحمة

 مجتمعها ، والحذر من تربص أعدائها! ليست جديرة بالبقاء جاثمة على صدور أبناء الوطن!.

 وأي قيادة أو حكومة لا ترى مصالحها نابعة من مصالح شعبها! ومتسقة مع تطلعاته ، فتقدم سلمها المجتمعي ، وعلاقتها الوثيقة مع أبناء شعبها على كل ما سوى ذلك ، هي قيادة فاشلة لن تحفظ لشعبها أمنه! ، ولا لوطنها سيادته وسلامته من الأخطار والأطماع الخارجية!.

 وأما في ليبيا فقد تسارعت الأحداث ، وظهر فيها نَهَمُ الغرب ورغبته في تمزيق ليبيا والسيطرة على ثرواتها الكبيرة ، فقد استصدر الغرب أمراً من مجلس الأمن الدولي بفرض حضر جوي فوق الأجواء الليبية بعد مرور شهر واحد من بداية الأحداث! ، وذلك في 18مارس 2011م ، والاحتجاجات بدأت في 15/2/ 2011م.

وفي 19 مارس – بعد قرار مجلس الأمن بيوم واحد- بدأ الهجوم الغربي على ليبيا جواً وبحراً ، حيث قامت الطائرات الفرنسية والبريطانية بالتحليق في سماء ليبيا! ، وشنت ضربات على مواقع الجيش الليبي! ، ودمرت دبابات ومعدات عسكرية ليبية!.

بينما ضرب الأسطول الأمريكي في البحر المتوسط حوالى 110 من صواريخ توماهوك على أهداف عسكرية ليبية!.

 ولم تتوقف الحملات الغربية على ليبيا سواءً الإعلامية أو العسكرية حتى تمَّ القضاء على النظام الليبي بقتل رئيس الدولة معمر القذافي! واعتقال أغلب أركان نظامه!.. ثم بعد ذلك ترك الغرب ليبيا تعيش في دوَّامة الصراعات والاقتتال المجتمعي ، والتدخلات الخارجية دون آبهٍ بما يحدث فيها! ، أو متطلع إلى استقرارها وإعادة بناء مؤسساتها القانونية والخدمية! بما يحقق لها الأمن والاستقرار والرخاء والسيادة!.

 وما كان من حماس الغرب لتدمير ليبيا! ، ومحاسبة القذافي وردعه عن استهداف المدنيين كما يزعم الغرب!! ، لم يحصل مع الطاغية بشار! الذي استخدم الكيماوي ضد الأطفال والمدنيين العُزَّل! ، وقام بدعم من إيران وأذرعها ومليشياتها وعلى رأسهم حزب الشيطان في لبنان بحرب إبادة لا نظير لها في العصر الحديث!.. فالغرب لا يحركه دافع الرحمة والشفقة! ، والإيمان الصادق بحقوق الإنسان! ؛ وإنما يحركه دافع الشهوة والطمع! ، وما يحقق له استراتيجيات إضعاف الدول والسيطرة عليها! ، ونهب ثرواتها! .

 كما أن الغرب يرى في إضعاف سوريا ، وتفتيت لحمتها الوطنية! ، وتمكين المشروع الصفوي فيها ، كل ذلك يحقق ضرراً وخطراً على الأمن القومي العربي! ، ويحقق مصلحة للكيان الصهيوني! بإخراجها من منظومة التعاون والتنسيق العربي المشترك! ، وتدمير قدرتها على الرد أو المقاومة أمام الكيان الصهيوني! ، وغير ذلك من الأهداف التي جعلت الغرب يتخلى عن دعاويه بالدفاع عن حقوق الإنسان !..

وهكذا توافقت مصالح الغرب مع المشروع الصفوي الإيراني بكل وضوح ، ففي سوريا بقاء النظام الظالم المستبد! ، بينما في الدول العربية الأخرى إسقاط الأنظمة وتغييرها تحت ضغط الثورات ! ، التي يرى النظام في إيران أنه الوكيل الحصري في تصديرها للبلدان العربية! ، بينما لا ضير عند الغرب أن يتخادم مع المشروع الإيراني في إشعال الثورات وتأجيجها لمآربه التي تلتقي مع المشروع الإيراني في محطات ، وتختلف معه في أخرى .

 وما زال للنصر الكبير حكاية تُروى في حلقة أخرى إن شاء الله !.

 الاثنين 10 محرم 1444ه.

Leave a Reply

Your email address will not be published.

ترجمة - Translate
Search this website